ابن قيم الجوزية
275
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
( فصل ) في احتجاج الجنة والنار في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « احتجت النار والجنة فقالت هذه يدخلني الجبارون والمتكبرون وقالت هذه يدخلني الضعفاء والمساكين ، فقال اللّه عز وجل لهذه أنت عذابي أعذب بك من أشاء ، وقال لهذه أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها » وفي رواية أخرى « تحاجت النار والجنة فقالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم فقال اللّه سبحانه للجنة : « أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ، ولكل واحدة منكما ملؤها » فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع قدمه عليها فتقول قط قط فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض ولا يظلم اللّه من خلقه أحدا ، وأما الجنة فإن اللّه عز وجل ينشئ لها خلقا . ( فصل ) في أن الجنة يبقى فيها فضل فينشئ اللّه لها خلقا دون النار في الصحيحين عن أنس بن مالك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد ، حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط بعزتك وكرمك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ اللّه لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة » وفي لفظ مسلم : « يبقى من الجنة ما شاء اللّه أن يبقي ثم ينشئ اللّه سبحانه لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة » وفي لفظ مسلم « يبقى من الجنة ما شاء اللّه أن يبقى مما يشاء » وأما اللفظ الذي وقع في صحيح البخاري في حديث أبي هريرة « وأنه ينشئ للنار من يشاء فيلقي فيها فتقول هل من مزيد » فغلط من بعض الرواة انقلب عليه لفظه والروايات الصحيحة ونص القرآن يرده فإن اللّه سبحانه أخبر أنه يملأ جهنم من إبليس وأتباعه فإنه لا يعذب إلا من قامت عليه حجته وكذب رسله قال تعالى كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ؟ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ولا يظلم اللّه أحدا من خلقه .